الأربعاء، 12 نوفمبر، 2008

"هاي" بوتفليقة !


ليس من الضروري أن يكون كلامي مقبولا، و لكن من الضروري أن يكون صادقاً.

سقراط

هل يستطيع عبد العزيز بوتفليقة أن يعد أصدقاءه في الجزائر؟ مهما تكون طبيعة الجواب، دعوني أطرح سؤالا آخر: هل يستطيع الرئيس بوتفليقة أن يعد خصومه في البلد الذي يحكمه ؟ مرة أخرى، سوف لن أكترث كثيرا لنوع الجواب، لأنني سأسأل من جديد: هل يستطيع بوتفليقة أن يعد الأصدقاء الذين سيبقون أصدقاء له، حتى بعدما يتنحّى أو يُنحّى من على رأس السلطة ؟ مهما تكون الإجابة،سأسأل مجددا: هل يتذكر بوتفليقة، الأشخاص الذين كانوا أصدقاء له، قبل وفاة الرئيس بومدين... كم منهم، استمروا في صداقتهم له طيلة الفترة الممتدة بين 1979 و 1999، و كم منهم استأنفوا صداقتهم له، بمجرد ما أعلن الرئيس اليمين زروال، انسحابه من الرئاسة قبل الأوان، و بات اسم بوتفليقة رقما رابحا وحيدا في معادلة الحكم ؟ و كم هو عدد الأصدقاء الذين تنكّروا لبوتفليقة ما أن أصبح الشادلي بن جديد خليفة لبومدين، و لكنهم تخاصموا في ما بينهم حول أحقية أخذ بوتفليقة في الحضن و تقبيله على الجبهة ما أن تأكدوا من أن الرجل " رايس و ربّي كبير" ؟... و أخيرا كم هم، أصدقاء بوتفليقة الذين هجروه بعد رحيل بومدين، ثم التصقوا به، بمجرد ما أن عاد و الذين تأهّبوا لهجرته من جديد ما أن حامت الشكوك حول احتمال عدم ترشحه للبقاء في السلطة، و لكنهم صمّموا على الارتباط به و سيرتبطون به أكثر فأكثر ما أن يتيّقنوا من أنه باق بالفعل، لأن بوتفليقة و إلى أن يثبت العكس، لم يقل بعد بأنه سيرشح نفسه لولاية ثالثة أو أبدية ( اسمحوا لي بان أهذي و أقول كلاما عكس التيّار )، و إنما قال بأنه سيعدّل الدستور عبر بوابة البرلمان، حتى و إن شمل هذا التعديل المادة (74) الشهيرة التي تحدد عدد العهد الرئاسية بعهدتين فقط. لكن، دعوني، أعود إلى قضية الأصدقاء هذه...
لقد اجتاح ذهني كمّ عجيب من الأسئلة بخصوص أصدقاء الرئيس، عندما كنت أتابع بالصورة و الصوت، تدخله أمام القضاة و بحضور " المعاليم الكبار" بمناسبة افتتاح السنة القضائية الجديدة، و التي صدّع فيها سيل تعديل الدستور.... و أنا أرى كل تلك الوجوه الحاضرة بالمناسبة و التي كانت كاميرا حمراوي تتحفنا و تشرّفنا بها بمناظر كبيرة من حين لآخر، كنت أسأل نفسي: لماذا وجه هذا الرجل أصفر، أليست المناسبة فرصة لاحمرار وجوه مثل وجه هذا الرجل و هو المنتمي إلى طائفة الداعين إلى تعديل الدستور و ترشح بوتفليقة إلى عهدة ثالثة ؟!
و ذاك الرجل، لماذا وجهه أخضر، مع أنني عهدت بشرته سمراء، ألا يوجد في الكلام الذي قاله بوتفليقة ما يبيّض وجه أمثال ذلك الرجل المنتمي إلى ذات الزاوية التي يُقال أن بوتفليقة ينتمي إليها ؟!
و الآخر، ماذا يهمس في أذن ذلك العبوس الذي كان يجلس بجانبه.. ماذا كان يقول له؟ هل سأله : لماذا لم يقل بوتفليقة أنه سيعدل المادة (74) من الدستور، التي تسمح له بالبقاء في الحكم ؟ أم أنه قال له: لقد كذبت عليّ حينما أكدت لي آخر مرة بأن بوتفليقة مريض و سوف لن يقوى على الاستمرار في الحكم... لن أصدّقك مستقبلا مهما يحدث.. لقد خدعتني... ثم نرى الرجل يتدارك الموقف،يتوقف عن الوشوشة و يلتحق بالمصفّقين!
و ذاك الرجل، ماله منهار على كرسيه، و كأن بوتفليقة كان بصدد إعلان نكبة وطنية، ألم يشترك كل الجزائريين بالداخل و الخارج في وصف ذلك الرجل بـ " يد بوتفليقة الحديدية". سبحان الله ! ماذا حدث ؟ ألم تكن المناسبة مواتية كي تشرع تلك اليد الحديدية في ضرب القوم دون تمييز و بلا رحمة و لا شفقة، اعتبارا من تلك اللحظة التي قال فيها بوتفليقة كلاما فسّره الجميع على أنه تأكيد على البقاء في السلطة ؟
و ذلك الرجل الذي يحتل مقعدا في الصف الأمامي، ماله لا يتحرك و لا يلتفت، و لا يفعل أكثر من التحديق في وجه بوتفليقة ؟ هل كان يتابع شفتي الرئيس، في محاولة استباقية ذهنية منه لتفكيك ما سينطق به الخطيب، قبل حتى أن ينطق به؟... ما هو الشيء الذي من أجله كان الفضول يعصر قلب الرجل، و يجعله يبذل جهدا عقليا قاتلا بغية تلقّف الكلمات قبل حتى أن يتلفظ بها الرئيس؟ هل كان يريد أن يعرف إن كان بوتفليقة سيبقى لسنين أخرى أم أنه باق فقط إلى حين ؟!
كنت أرى الوجوه، و أتساءل إن كان من المتاح لي، اعتبار كل أولئك الحاضرين، من بين أصدقاء الرئيس بوتفليقة. كما كنت أتساءل إن كان أصدقاء الرئيس مسؤولين في الدولة بالضرورة، أو إن كان كل مسؤول في الدولة هو صديق لبوتفليقة آليا. كنت أتساءل كذلك، إن كان كل مسؤول في الدولة و صديق لبوتفليقة بطبيعة الحال، هو صديق d'office للعهدة الثالثة و إن كان من الممكن لواحد من كل هؤلاء أن يحتفظ بمكانه ضمن الأصدقاء، لو هو فضّل أن يحتفظ بصداقته لبوتفليقة، و لكن ليس للعهدة الثالثة؟... هنا بالضبط، تساءلت: ماذا لو يتضح أن كل هؤلاء الذين كنت أشاهد وجوههم على شاشة التلفاز، بينما كان بوتفليقة يخاطبهم محدثا إياهم عن التعديل الدستوري" المحدود " الذي لا يستدعي أخذ رأي الشعب بخصوصه، ماذا لو يتضح أنهم كلهم أصدقاء لبوتفليقة أي نعم، و لكنهم كلهم يرفضون صداقة العهدة الثالثة جملة و تفصيلا و في الشكل و المضمون، و مع ذلك هم يصفّقون كلّما صدر عن الرئيس أدنى تلميح إلى أي شيء يشير من بعيد إلى طيف العهدة الثالثة ؟! و ماذا لو يتضح أن كل هؤلاء الذين كنت أشاهد وجوههم، لا يرفضون صداقة العهدة الثالثة فحسب، و إنما هم مستعدون أيضا، للكفر بصداقتهم لبوتفليقة بمجرد ما يغادرون مواقع المسؤولية التي يحتلونها ؟! و ماذا لو يتضح أيضا بأن كل هؤلاء الذين كنت أستمتع برؤية وجوههم، ما هم في الحقيقة إلا أصدقاء لكل العهد... الثالثة و الرابعة و الخامسة... و الأبدية، لكن ليست عهد بوتفليقة وحده، و إنما هم أصدقاء لعهد كل رؤساء الجزائر، مهما كانت أسماؤهم ، الذين سبقوا منهم و الذين سيأتون... لأنهم و ببساطة أصدقاء لكل أولياء نعمتهم؟!
أبمثل هؤلاء الأصدقاء نجح بوتفليقة ؟ و هل بمثلهم أيضا سينجح، لو كتب له الله أن يبقي في الحكم ؟ و لماذا قد يصرُّ بوتفليقة على البقاء رئيسا؟ أ لأنه مقتنع بأنه محاط بأصدقاء سيساعدونه على تحقيق ما تبقى له من انجازات لم يكفه الوقت لتحقيقها في عهدتين ؟ أم أن بوتفليقة " سوبرمان" حقق ما أراد لوحده خلال عشر سنوات من الحكم، دون أن يكون في يوم من الأيام بحاجة لأي واحد من كل أولئك الأصدقاء الذين أحاطوا به من كل جهة و جهة، تماما كما سوف لن يكون بحاجة لأي واحد منهم في العهدة أو العهد القادمة ؟
قبل بوتفليقة، هل نجح بن بلة بفضل أصدقائه الذين وزعهم على مناصب المسؤولية، في حماية نفسه من الانقلاب الذي قاده ضد بومدين ؟ و هل نجح بومدين من خلال أصدقائه الذين اخترهم بنفسه و عوّل عليهم في إنقاذ الثورات الزراعية و الصناعية و الثقافية ؟ و هل نجح الشادلي عن طريق أصدقائه في التصدّي إلى الذين قادوه إلى باب الخروج من قصر المرادية في جانفي 1992 ؟ و هل كان اليمين زروال سيفضل العودة إلى بيته، لو أحسّ للحظة واحدة بأنه محاط بأصدقاء،هو مقتنع بوفائهم له، و باستعداد كل واحد منهم لأن يكون زروال " مستنسخ" في مكان المسؤولية التي يضطلع بها ؟
كل رؤساء الجزائر أحاطوا أنفسهم بأصدقاء، و كل أولئك الأصدقاء هتفوا " هاي بن بلّة"، " هاي بومدين"، " هاي الشادلي"، " هاي زروال"، و هاهم يقولون لبوتفليقة " هاي بوتفليقة"... " هاي" لتعديل الدستور،" هاي" لعهدة ثالثة... و " هاي" وألف " هاي" لكل شيء !لماذا هم يقولون « هاي» ؟ انهم يقولون « هاي» لمناصبهم و لأنهم أصدقاء لمصالحهم، و لا أحد منهم صديق لهذا الوطن. و تلك مصيبة هذا البلد. فإذا كان المثل الشهير يقول: لكل دهر دولة و رجال، فللجزائر بقيت نفس الدولة و بقي ذات الرجال الذين يقولون " هاي". و كل أولئك الرجال كانوا و سيبقون أصدقاء لسيد اللحظة، لا للأمانة.أما الوطن.. أما أنت فلك الله يا وطن.


جمال الدين حريز